البكري الدمياطي

122

إعانة الطالبين

فصل ( في الصلاة على الميت ) ( فصل في الصلاة على الميت ) هذا الفصل معقود لبيان ما يتعلق بالميت ، من غسله ، وتكفينه ، والصلاة عليه ، ودفنه . فقوله : ( في الصلاة على الميت ) أي وغيرها أيضا مما ذكر ، وكان عليه أن يذكره بين الفروض والمعاملات ، أو عند الجهاد ، لأنه من فروض الكفاية . لكن لما كان أهم ما يفعل بالميت : الصلاة ، ذكر عقبها . ( واعلم ) أنه يتأكد على كل مكلف أن يكثر من ذكر الموت ، وذلك لأنه أزجر عن المعصية ، وأدعى إلى الطاعة ، ولخبر : أكثروا من ذكر هادم اللذات . يعني الموت . صححه ابن حبان والحاكم ، وقال إنه على شرط مسلم ، وزاد النسائي : فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله ، ولا قليل إلا كثره . أي كثير من الدنيا ، وقليل من العمل . وهادم اللذات - بالذال المعجمة - ومعناه : القاطع ، وأما بالمهملة : فمعناه المزيل للشئ من أصله . وروى الترمذي بإسناد حسن أنه ( ص ) قال لأصحابه : استحيوا من الله حق الحياء . قالوا إنا نستحيي - يا نبي الله - والحمد لله قال : ليس كذلك ، ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى ، وليحفظ البطن وما حوى ، وليذكر الموت والبلى . ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا . ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء . والمراد من قوله : وما وعى أي ما اشتمل عليه من السمع والبصر واللسان . ومن قوله : وليحفظ البطن وما حوى ما يشمل القلب والفرج . والمراد بحفظ البطن أن يصونه عن الحرام من المطعم والمشرب . ويستحب الاكثار من ذكر هذا الحديث ، كما قاله الشيخ أبو حامد الغزالي ، ويندب له أن يستعد للموت بالتوبة ، وهي ترك الذنب ، والندم عليه ، وتصميمه على أن لا يعود إليه ، وخروج عن مظلمة قدر عليها بنحو تحلله ممن اغتابه أو سبه . وصح : أنه ( ص ) أبصر جماعة يحفرون قبرا ، فبكى حتى بل الثرى بدموعه ، وقال : إخواني ، لمثل هذا فأعدوا . أي تأهبوا للموت واتخذوه عدة . ومحل ندب التوبة إذا لم يعلم أن ما عليه مقتض للتوبة ، أما إذا علم أن ما عليه ذلك فهي واجبة فورا - بالاجماع - والموت مفارقة الروح للبدن . واختلف في حقيقة الروح ، فقال أكثر أهل السنة والجماعة الأولى أن نمسك المقال عنها ونكف عن البحث فيها ، وأنها مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه . وإليه أشار ابن رسلان في زبده بقوله : والروح ما أخبر عنها المجتبى * فنمسك المقال عنها أدبا أي أن حقيقة الروح - وهي النفس - لم يخبر عنها المصطفى ( ص ) ، مع أنه سئل عنها ، لعدم نزول الامر ببيانها . قال تعالى : * ( ويسألونك عن الروح . قل الروح من أمر ربي ) * ( 1 ) فنمسك المقال عنها أدبا مع المصطفى ( ص ) ، ولا نعبر عنها بأكثر من موجود يحيا به الانسان . كما قال الجنيد : الروح شئ استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه . والخائضون فيها اختلفوا على أكثر من ألف قول . فقال جمهور المتكلمين : هي جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء

--> ( 1 ) الاسراء : 85